Skip Navigation Links  الأرشيف     الخميس , 14 كانون الأول 2017
المحامي اسامه ابوعنزه
منور أحمد الدباس
المحامي أسامه ابوعنزه
 
كتّب للبلقا
الخميس , 07 كانون الأول , 2017 :: 2:18 م

مغامرات صحفي .. الحلقة التاسعة والعشرون

 افتتح جلالة المغفور له الملك الحسين بن طلال أول قمة إفتصادية في عمان سنة 1995 م بحضور واسع ضمّ المئات من قادة الأعمال والسياسيين والصحفيين في العالم ، وقد شاركتُ في التغطية الإعلامية لتلك القمة مندوبا عن الإذاعة الأردنية الموجّهة ، فكنتُ أعدّ التقارير الإخبارية خلال الجلسات وأذيعها على الهواء مباشرة ، وأذكر في جلسة الإفتتاح أنّ وزير الخارجية المصري آنذاك عمرو موسى ألقى كلمته عقب جلالة الملك الحسين إنتقد فيها الأردن لتوقيعه إتفاقية السلام مع اسرائيل واصفا إيّاه بالدولة المهرولة ، فغضب الحسين وردّ عليه مباشرة بأن مصر هي أول من وقّعت على معاهدة سلام مع اسرائيل وهي أول من بدأت بالهرولة ، ممّا حدا بعمرو موسى الى الخروج غاضبا من الجلسة ، كما حضرتُ على هامش القمة مؤتمرا صحفيا لوزير الخارجية الاسرائيلي شمعون بيريز ، واجه خلاله انتقادات واسعة للممارسات الاسرائيلية الإستفزازية في الأراضي المحتلة ، فكان بيريز يردّ على الصحفيين بفتور شديد ويكتفي بالقول ، من حقّكم أن تعبّروا عن وجهة نظركم ، لكنْ أذكّركم بأنّ هذه القمة هي إقتصادية ولم تسألوا سؤالا واحدا في الإقتصاد .


وكعادة العرب فإنهم يحضرون المؤتمرات من دون فائدة ، بل فقط للمهاترات وتصفية الحسابات وإثارة الخلافات فيما بينهم ، في حين كان أعضاء الوفد الاسرائيلي على قلب واحد يتحركون بصمت ، يوقعون الاتفاقيات الاقتصادية ويعقدون الصفقات التجارية مع الوفود الأخرى بهدوء ماكر . وخلال جلسات المؤتمر خطر ببالي إحراز سبق صحفي ، فبقيتُ مُتتبّعا لوزير الخارجية القطري الشيخ حمد بن جاسم بن جبر ال ثاني ، وهو سياسي مُحنّك وله دور بارز في إدارة كثير من الملفات الاقليمية والدولية وعلى رأسها ملف السلام في الشرق الأوسط ، فانتظرتُ خروجه من القاعة وأسرعتُ نحوه مخترقا حرّاسه الشخصيّين ، وبادرته بسؤال عن الموقف الخليجي من الاتفاقية الاردنية الاسرائيلية التي كانت حديثة العهد آنذاك ، فوقف مندهشا ورمقني بنظرة حادة ثم سألني عن جهتي الاعلامية وقال : ألا تعرف أن في القمة مرجعية صحفية لقادة الوفود ؟ ثمّ تدخلّ أحد حرّاسه وسحبني من أمامه ليمضي الوزير القطري في طريقه ، وبعد لحظات قصيرة تمّ استدعائي الى أمانة المؤتمر حيث تمّ تنبيهي بعدم التعرّض لرؤساء الوفود خارج القاعات من غير إستئذان . كان ردّ الوزير حمد بن جاسم قد نزل كالصاعقة على رأسي ، خلخل دماغي وأحبط آمالي بعد ساعات من الإنتظار والترقب وأضاع عليّ فرصا كثيرة ، وبعد فشلي في تلك المغامرة لمتُ نفسي على ما فعلته مع رئيس الوفد القطري ، لكنّ الصحفي يبقى طيلة حياته يتلقن الدروس القاسية ويتعرض بين حين وآخر للمواقف المحبطة .


من ملاحظاتي على تلك القمة التي يفترض أن تكون إقتصادية متكاملة ، أن الوضع السياسي واتفاقية السلام سيطرا بشكل واضح على محاور الجلسات ، حيث أمضى الأردن طيلة الأيام الثلاثة للمؤتمر وهو يدافع عن موقفه من القضية الفلسطينية ويشرح الأسباب التي دفعته الى إبرام اتفاقية وادي عربه ، بينما كان الوفد الإسرائيلي حريصا على كسب الوقت لعقد صفقات تجارية مع الوفود المشاركة ورجال الأعمال ، كما لاحظتُ على الإسرائيليين أنهم كانوا يحملون الهواتف النقالة ويكثرون الإتصال مع دولتهم بينما وفودنا العربية المشغولون بخلافاتهم البينية كانوا يستخدمون الهواتف الأرضية الموجودة داخل الأكشاك التابعة لساحة المؤتمر لعدم وجود هواتف نقالة معهم .


أعود وأقول أني حضرتُ خلال عملي في الإعلام مئات المؤتمرات والندوات وورشات العمل العربية في الأردن والخارج ، ولم أتذكّر أن العرب سجّلوا في واحدة منها إنجازا على الصعيد القومي ، غير الملاسنات والمناوشات وتسجيل الإنسحابات وكتابة التوصيات التي تُطوى بعد كل لقاء وتذهب حبيسة الأدراج ، وليس حالنا اليوم بأفضل من الأمس ، فالواقع العربي السيء الذي نعيشه هذه الأيام لا نُحسد عليه إطلاقا ، تفكك وانحدار ، مواجهات واقتتال ، ولا تجمعنا إلا جنازات الموتى عند المقابر .



محمد الوشاح

تعليقات القراء
لايوجد تعليقات
 
أضف تعليقا
 
إسم المرسل  
البريد الإلكتروني  
 
النص    
 
     
إرسال