Skip Navigation Links  الأرشيف     الإثنين , 11 كانون الأول 2017
منور أحمد الدباس
المحامي أسامه ابوعنزه
 
كتّب للبلقا
الجمعة , 27 تشرين الأول , 2017 :: 7:10 ص

مغامرات صحفي .. الحلقة السادسة والعشرون

 الحلقة 26


من المعروف أن ذهاب الاردن الى مفاوضات مدريد قبل توقيع معاهدة وادي عربه كان إستجابة للرغبة العربية إضافة الى الجهود الدولية التي دفعت بهذا الشأن ، كما أن السلطة الفلسطينية إنضمت بطلب منها الى المباحثات تحت غطاء أردني وبمسارين ، المسار الأردني الاسرائيلي والمسار الفلسطيني الاسرائيلي ، حيث لعبت الدولة الأردنية دورا نشيطا لتوفير المظلة القانونية للأشقاء الفلسطينيين في مفاوضاتهم مع الجانب الإسرائيلي ، واستمرت جولات التفاوض في العاصمة الاسبانية لفترة طويلة حتى أختتمت بإنجاز معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية والتوقيع عليها في حفل دولي مهيب أقيم في وادي عربه في 26 تشرين أول 1994 بحضور ممثلين من معظم دول العالم ، فأصبحت المعاهدة منذ ذلك التاريخ نافذة بعد أن مرّت بكافة مراحلها القانونية والدستورية وبموافقة مجلس النواب عليها مع وجود معارضة غير مؤثرة .


 إنني أجزم ومن خلال استمزاجي لعدد كبير من الأشقاء الفلسطينيين خاصة في القدس والضفة الغربية بأن هذه المعاهدة قد خدمتهم أكثر ما خدمت الشعب الأردني ، ولو فكّر الأردن يوما بإلغاء إتفاقية وادي عربه لأضرّت بالدرجة الأولى الفلسطينيين هناك وأبناءهم وعائلاتهم في بلاد الشتات ، وهذه حقيقة يفهمها جيدا فلسطينيو الداخل أكثر من غيرهم ، أما بالنسبة لفائدتها على الأردن فقد دفنت مشروع الوطن البديل الى الأبد ، وألزمت اسرائل بالاعتراف الكامل بالمملكة الأردنية الهاشمية كدولة مستقلة ذات سيادة على التراب الأردني وأعادت للمملكة كافة أراضيها المحتلة بعد عام 1968 مثل الباقورة ووادي عربة وغيرها ، كما حصل الأردن على 30 مليون متر مكعب من مياه بحيرة طبريا ممّا خفف من أزمة مياه الشرب في عدد من محافظات المملكة ، إضافة الى أنه نتيجة لهذه المعاهدة استطاعت الدولة الأردنية تقليل نفقات المجهود الحربي والتسليح الذي كان يستهلك 80% من مواردها وتوجيه صرفها إلى قطاعات التعليم والصحة والبنى التحتية المختلفة ، كما أعطت المعاهدة الدولة الأردنية الرعاية الكاملة للأماكن المقدسة الاسلامية والمسيحية في مدينة القدس وخاصة المسجد الأقصى .


 ونظرا لإشتياقي الكبير لزيارة نهر الأردن ومشاهدته عن قرب ، فقد قمتُ بعد شهر من توقيع الإتفاقية وبرفقة أسرتي بالتوجه الى غور كبد ما بين الكرامة والشونه وعبرتُ الطرق الزراعية المؤدية الى النهر حتى وصلتُ آخر نقطة متقدمة للجيش الأردني ، فاستأذنتُ جندي الحراسة الأمامية بالوصول الى النهر الذي صار على بعد 200 متر ، فسمح لي على مضض بعد أن ضعف أمام أطفالي الذين الحّوا عليه كثيرا ، ثم نظر إليّ وقال ، اذهب على مسئوليتك ، فقلت له أنت لا تتحمل أية مسئولية وهدفنا فقط هو تناول طعام الغداء هناك ، وبالفعل سرتُ بالسيارة في طريق ترابية وعرة حتى وصلت النهر حيث شاهدت على بضعة امتار جنودا إسرائيليين كانوا يغطسون أقدامهم في المياه الجارية ، فوقفتُ ونزل أبنائي من السيارة مسرعين باتجاه النهر ولحقتُ بهم على عجل حتى لا تزلف قدم أحدهم في الماء ، وفي هذه اللحظات إستشعرالجنود الإسرائيليون بالخطر وأسرعوا باتجاه دبابتهم العسكرية وبدأوا يصرخون باتجاهي ، ثم سمعتُ صوت سحب ( الأقسام ) فأدركتُ أنهم جاهزون لإطلاق النار علينا ، فتركتُ الصغار يمرحون وتظاهرتُ بعدم الإكتراث وعدتُ الى السيارة لأنزل منها المفرش الأرضي ووجبة الغداء الجاهزة ، وكنتُ أظنّ حينها أن المعاهدة ستحميني في هذا المكان بينما الحقيقة أن الصهاينة وكعادتهم لا يطمئنون لأي عربي ، فاستمرّوا بالصراخ والتهديد باللغة العبرية وأدركتُ أنهم يطلبون منّي الإنصراف من المكان ، ثمّ سمعتُ الجندي الاردني يناديني مشيرا بيده لانْ أعود من حيث أتيت ، فأومأتُ الى الإسرائيليين قبل المغادرة بإشارة إستفزازية زادت من غضبهم ولم أسمع إلا قعقعة السلاح ، فقررّتُ أن أكرّر المغامرة لكن في موقع آخر ، وبالفعل توجهتُ بعد ذلك الى جسر الملك حسين حيث كانت حركة المسافرين متوقفة بسبب عطلة السبت ، واستأذنتُ حرّاسنا البواسل الذين أحالوني الى ضابط الإرتباط والذي بدوره سمح لي كصحفي بالوصول الى الجسر والعودة من غير الإخلال بالأمن ، فنزلتُ من السيارة وتمشّيتُ على الجسر بكل ثقة وهدوء لوجود أطفالي بجانبي ، وبعد أقلّ من دقيقتين حضر شخص بالزي المدني من الجانب الآخر وسألني بالإنجليزية كيف وصلت الى هذا المكان وهو ممنوع ، وبعد أن عرفتُ أنه إسرائيلي وعرف أني صحفي دار حوار حاد بيني وبينه بلغتي الانجليزية الركيكة ، مؤكدا له وبإصرار شديد أن هذه الأرض التي يطأ عليها هي للأردن وليست لهم ، فابتعد عني قليلا وأمسك الهاتف النقال وصار يتحدث مع طرف آخر بلغته ، فلم تمض خمس دقائق حتى جاءني ضابط الإرتباط الأردني طالبا مني مغادرة الجسر ، بعد أن أوضح لي بأن الصهيوني الذي التقيته كان غاضبا مني ، فشكرتُ الأخ الضابط وودعته عائدا الى بلدة الشونه حيث اخترنا فيها مكانا آمنا للاستراحة وتناول طعام الغداء .


 وفي لحظة هدوء تحدثتُ مع نفسي عن هذه المغامرة الخطيرة التي أقدمتُ عليها هل كانت صحيحة ؟؟ بالطبع لا ، فاعترفتُ بيني وبين نفسي بخطئي ، وعند عودتي للبيت راجعتُ نصوص المعاهدة الاردنية الاسرائيلية ، فاستوقفتني المادة الرابعة منها المتعلقة بالأمن ، فهي تدعو الى الامتناع عن الطبيعة العنيفة وعن التحريض عليها والمساهمة أو المشاركة فيها ضد الطرف الآخر ... لكنّ تصرفي في ذلك اليوم كان مخاطرة غير متوازنة من جانبي وغير محسوبة النتائج ، ولو تماديتُ بالعناد مع اليهود الغدّارين لكانت النتيجة تصفيتي جسديا مع تحمّل المسئولية .


محمد الوشاح

تعليقات القراء
لايوجد تعليقات
 
أضف تعليقا
 
إسم المرسل  
البريد الإلكتروني  
 
النص    
 
     
إرسال