Skip Navigation Links  الأرشيف     الإثنين , 18 كانون الأول 2017
المحامي اسامه ابوعنزه
منور أحمد الدباس
المحامي أسامه ابوعنزه
 
كتّب للبلقا
الثلاثاء , 30 أيار , 2017 :: 5:43 م

مغامرات صحفي .. الحلقة الخامسة عشرة

 تؤكد الدولة السودانية دائما أن أكثر ما يهدد سكانها وثروتها الزراعية والحيوانية هو تدفق مياه الأمطار القادمة من الهضبة الأثيوبية باتجاه الأراضي السودانية المنخفضة ، وهذه السيول الكثيفة تقتل في طريقها أرواحا كثيرة من السكان وتشرد عشرات الآلاف من مناطقهم وتلحق أضرارا فادحة بهم وبممتلكاتهم وترفع مناسيب نهر النيل الى معدلات عالية ومدمّرة . وأثناء وجودي في الخرطوم عام 2003 بمهمة اعلامية رسمية لتغطية حجم الدمار والأضرار التي ألحقتها تلك الفيضانات على سكان العاصمة ومدن كسلا وعطبرة ووادي مدني والحصاحيصا وغيرها من المناطق التي غمرتها المياه ، طلبت من زميلي المصور أن نصعد الى جسر ( توتي ) وهو أول جسر معلق في السودان أقيم على نهر النيل الأزرق ليربط الخرطوم بجزيرة توتي ، كان هدفنا التقاط صور للعاصمة من فوق الجسر الذي يشكل أعلى نقطة في الخرطوم ، وأثناء وقوفنا على هذا الكوبري الذي كان في ذلك العام قيد الانشاء فوجئنا بدورية أمنية تطلب منا النزول الى الشارع ، حيث تمّ اقتيادنا بسيارة عسكرية الى أحد معسكرات الجيش وحجزنا باحدى ثكناته ، ولم نكن حينها نحمل هاتفا نقالا للاتصال بالسفارة الاردنية ، لكنّ مرافقنا الاعلامي السوداني ترك معنا رقمه للطواريء ، وخلال اعتقالنا داخل المعسكر تمّ اخضاعنا للتحقيق وعرفنا من الضابط المحقق أن وجودنا على الجسر مع كاميرا تلفزيونية من شأنه أن يشكّل خطورة على أمن الدولة السودانية ، وبرّر المحقق بعد سؤالنا له عن مقصده فقال ، لو عرفت أمريكا بوجود هذا الجسر فانها حتما ستدمره وستكونوا أنتم السبب !! وبدأ الضابط يجري المزيد من الاتصالات مع المسئولين العسكريين حول موضوعنا وما يمكن عمله معنا فلم يحصل على جواب بذلك ، فاقترحت عليه أن يتصل بميرغني وهو مرافقنا السوداني المكلّف بمتابعة شؤوننا وطلبت أن يربطني بهاتفه ، وبالفعل تحدثت مع المرافق وأخبرته بكل التفاصيل ، فطمأنني بعد أن أخذ عنوان المعسكر وحضر حالا ، ثم تناقش مع الضابط لفترة من الوقت حتى تمّت عملية الافراج عنّا بعد أربع ساعات من الحجز ، وهي مغامرة غير مقصودة ونتيجتها غير متوقعة .. لكن المؤسف أنه خلال ساعات الاعتقال كان الحرّاس العساكر يتعاملون معنا على أننا أسرى مرتبطون بالأمريكان أو بدولة معادية للسودان ولم يستوعبوا أننا أردنيون ضيوف على دولتهم حضرنا الى بلادهم لتقديم المساعدة للمنكوبين من شعبهم ، كما كان الجنود في المعسكر يمنعون عنّا شرب الماء وأشعرونا بأن الحجز المؤقت قد يتحول الى سجن دائم مع الأشغال الشاقة ، ولاحظنا كذلك أن أفراد المعسكر ينظرون الينا نظرة حقد وكراهية على أننا جواسيس وخونة وسمعنا منهم التهديد والوعد بالانتقام فالتزمنا الصمت ، ولو بدرت منا كلمة واحدة تغضبهم لاطلقوا علينا الرصاص وسيكون مصيرنا مجهولا دون أن يعلم عنّا أحد ، فأدركنا بأن حياتنا مرهونة بمزاج الضابط المسئول الذي بمقدوره اصدار الأمر بتصفيتنا ، لكنّ ارادة الله لطفت بحالنا حتى نعود الى بلدنا وأهلنا سالمين والحمدلله . وبالعودة الى مسالة الفيضانات في السودان فهو مشهد متكرر بين عام وآخر ومصدره الهضبة الأثيوبية ، وليس لدى الدولة امكانيات لانهاء المشكلة ببناء سدود ، لأنها مشغولة بشراء الأسلحة والذخائر حتى أصبح كل شيء في البلاد معطلا ، حتى العاصمة الخرطوم كانت بلا شوارع معبدة سوى شارع الكورنيش على النهر ، كما زرت جامعة الخرطوم والتلفزيون السوداني ولم أشاهد في حرميهما ساحة معبدة ، والتقيت في مبنى التلفزيون مديري الأخبار والبرامج وجلست في مكتبيهما على مقاعد خشبية مغطاة بالقماش الممزق بسبب سوء الأوضاع المادية ، وفي الخرطوم أيضا شاهدت الناس بالآلاف ينامون في الشوارع وعلى حافة النهر ويأكلون الفتات ، وأعتقد أن السودان الذي يسمّى سلة الغذاء العربي لا زال مشغولا بالحروب والاقتتال والصراع الدائر مع المعارضة والمتمردين والقبائل المتخاصمة ، والاعلام عاجز عن متابعة ما يجري فيه من قتل وتشريد وابادة بسبب المساحة الواسعة لهذا القطر الشقيق .



محمد الوشاح

تعليقات القراء
لايوجد تعليقات
 
أضف تعليقا
 
إسم المرسل  
البريد الإلكتروني  
 
النص    
 
     
إرسال