Skip Navigation Links  الأرشيف     الإثنين , 20 تشرين الثاني 2017
محمود قطيشات
 
كتّب للبلقا
الإثنين , 27 آذار , 2017 :: 8:54 ص

الحطاب الشقي الفقير....وموقعة عين حزير السلط

 قبل اكثر من اربعين عاما خلت كنت اعرف في مدينة السلط رجلاً معاقاً في قدمه يتوكأ على عصاً ، وكبيراً في السن تجاوز 70عام فقير الحال لكنه عزيز النفس شهم وبسيط ، اذا اردت ان تتصدق عليه يرفض ويغضب منك ، ويقول ويردد دائما مستوره يا ابن الناس .


هذه العباره التي كان يقولها للذي يريد ان يتصدق عليه كنت اسمعها منه وهو واثق من نفسه ويجلس مع الرجال ويؤدي ما عليه من واجبات اجتماعيه ، ولا تفوته مناسبه يدعى عليها ، كنت اشاهده يجلس بين الرجال ويأتون اليه يحجزون البضاعه التي كان يتعامل بها ، وكان هو الوحيد الذي يورد هذه البضاعه في مدينة السلط كان بعضهم يضفر بما يحتاج والبعض الأخر اما يؤجله او يعتذر له لشدة الطلب على هذه البضاعه في ذلك الوقت وسرعة استهلاكها في نار الخبيز .


 هذا الرجل لا تفوته الصلوات الخمس ، اتدرون ماذا كان يعمل وماهي بضاعته؟ كان يعمل في مهنته الشريفه حطاباً ، في كل يوم يذهب في الصباح الى اطراف مدينة السلط ليحتطب . لم يكن هذا الرجل يقطع الأشجار الحرجيه التي تحرّم الدوله قطعها مهما كانت الأسباب والتي كانت تقطع من قبل بعض المواطنين خلسه ، وتباع حطبا او فحما ويتسببون في تشويه الأماكن السياحيه ، وكثيراً من انواع الأشجار الحرجيه قد انقرضت واصبح لا وجود لها نتيجة الأعتداءات الأثمه والمستمره عليها ، مما ادى الى انقراضها نهائيا او على حافة الأنقراض ومنها شجر (القيقب، والسدر) . كان صاحبنا لا يقترب من هذه الأشجار ويعتدي عليها ويبيع بغالي الثمن لأنه كان يملك القناعه . اتدرون ماذا كان يحتطب ؟( اللبيد) . كان رحمة الله عليه يملك حماراً وفأساً وحبلاً وقربة ماء للشرب ، يركب حماره في الصباح ويذهب كما ذكرت الى اماكن تتكاثر فيها هذه النبته ، يحتطب منها ما يستطيع الحمار ان يحمل الحطب والحطاب سوياً .


كان يحمل الحطب على الحمار ويركب فوقه ويعود في المساء ، ويرسل الحمل الى من كان له الحجز والسبق في شراءه ثم يعود الى البيت سالما غانما وقد وفّر له واهله قوت يومهم دون ان يمد يده للمحسنين ، رغم انه كان كبيرا في السن ومعاقاً في رجله ، وفي عمله هذا مشقه كبيره عليه ، وكان يصر ويجتهد ان يصرف على اسرته بهذه الوسيله فقط . ولا ادري ان كان له اولاد يعملون فهذه معلومات لا اعرفها عنه ، لكنا كنا نعرفه من خلال مهنته الشريفه الحطاب الشقي الفقير.


 وبعد هزيمة العرب في حرب1967وما تبعها من مناوشات بين الأردن والعدو الصهيوني ، وكان العدو الصهيوني دائما هو المعتدي و سماء مدينة السلط لا تخلو من طائرات العدو صباحا ومساء وكثيرا من الأعتداءات الأثمه من طيران العدو تعرضت له مدينة السلط وذهب فيها الشهداء الأبرار الذين لا ذنب لهم ومن هذه الأعتداءات ماحدث يوم 26/3/1969 قصف طيران العدو الصهيوني قرية (عين حزير) حيث كانت هذه المنطقه تحتوي على المعسكرات التابعه لكثير من الفصائل الفلسطينيه وبيوت اهل القريه الذين لهم البساتين وكانوا يعملون فيها. حيث تعرضت لأعتداء آثم استشهد من جرّاءه من استشهد وجرح من جرح من المدنيين والعسكريين نتيجة هذه الغارات القويه على هذه المنطقه . وكنت شخصيا موجودا في الموقع وهذا يشرفني ويزيدني تشريفا ،قدمت من السلط ومعي احد الأصدقاء للمساعده في اسعاف الجرحى وصديقي لا يزال حياً يرزق كنا قد تعجلنا في الذهاب الى موقع القصف وكانت الطائرات تقصف المكان وتمر من فوق رؤوسنا.


 تبعد قرية عين حزيرعن السلط حوالي 3 كم . حملنا الجرحى والشهداء ، اتدرون مما شاهدت بعيني ان صاروخا ضرب بستان(عبد اللطيف النابلسي ابو حسان) رحمة الله عليه حيث كان من وجهاء السلط الكرام وكما يقولون (من خلف مامات) حيث ذهب شهيدا ان شاء الله بسب هذه الغاره وكذلك الشهيد عبد الكريم ابو غنمي كان رحمة الله عليه يدرس معنا في الصف نفسه وايضا الشهيد الوطني المناضل نبيل حسن الحديدي الذي تخندق في قناة يسقى منها بستان النابلسي ليتقي قصف الطائرات ، وقد اخرجناه من القناه بعد ان غمره التراب بضربة الصاروخ واذكر انه كان في يده مسبحه حين ابعدنا عنه التراب وكان كل جسمه مغطى بالتراب الا قدميه كانتا ظاهرتين ولولا ظهورها للعيان لما عرفنا ان هناك شخص في القناه ، لم يكن فيه اي جرح لكن التراب خنقه . وقد فحصه د.خالد من حركة فتح واعلمنا انه فارق الحياه وحملناه الى سيارة الأسعاف ومنها ان شاء الله الى جنة الخلد ، انا اذكر الأشخاص الذين اعرفهم شخصياً ، واعتذر عن ذكراسماء الشهداء والجرحى في هذه الموقعه حيث لا اعرف اسمائهم فهم ان شاء الله جميعا احياء عند ربهم يرزقون .


 انتقلنا من الجانب الغربي الى الجانب الشرقي للشارع الرئيسي مقابل استراحة عين حزير ، كان الصاروخ قد حمل نصف الطريق الموازي للبستان وكان يمشي على الطريق حمار الحطاب ، والحطاب يركب عليه وقد سقطت كتلة التراب في الوادي الذي تمر منه المياه العادمه وقد ذهبت ومن كان معي لأنقاذ الحطاب فوجدنا الحطاب لا يزال راكبا على الحمار فوق حمل (اللبيد) ولم يصاب بأي اذى سوى ان الحمار مغروز في الطين الذي حمله الصاروخ الى الوادي ولا يستطيع المسير، ساعدناه واخرجنا ارجل الحمار من الطين وبعدها واصل المسير الى السلط وهذا هو الذي جعلني لأكتب عن موقعة حزير والحطاب . لقد استشهد من استشهد وجرح من جرح في هذه الموقعه الأليمه عليهم رحمة الله جميعا .


ياسبحان الله كيف قدر وكتب للحطاب الحياه والنجاة هو وحماره وحِمل الحطب ، اتدرون كم كان يبيع حِمل الحطب الذي كان يستخدم للخبيز؟ ، حيث كان كثيرا من اهل السلط يخبزون على(الصاج الشرا ك)في حياتهم اليوميه( 150فلسا) للحمل وقد يكون اقل من ذلك .


 احمد الله ان قدر لي ان احضرهذه الواقعه في حزير والثانيه في منطقة البقيع الغربي المطله على وادي قصيب ، سأكتب عنها ان شاء الله في الأيام المقبله ، نسأل الله ان يعوض الحطاب من تعب وشقاء الدنيا بنعيم وحسن حياة الأخره ، وان يتغمد كل شهداء السلط من عسكريين ومدنيين في رحمته الواسعه وان يكون مكانهم ان شاء الله في عليين في جنات النعيم انه نعم المولى ونعم النصير.


dabbasmnwer@yahoo.com


منور أحمد الدباس

تعليقات القراء
لايوجد تعليقات
 
أضف تعليقا
 
إسم المرسل  
البريد الإلكتروني  
 
النص    
 
     
إرسال