Skip Navigation Links  الأرشيف     الثلاثاء , 25 تموز 2017
موسى الحياري
قصي النسور
محمود قطيشات
 
كتّب للبلقا
السبت , 28 كانون الثاني , 2017 :: 4:11 م

ثلج ثلج

 ثلج ثلج عم بتشتّي الدنيا ثلج


 ما أن تعلن الأرصاد الجويّة عن قرب وصول منخفض جويّ يحمل معه المطر والثلوج حتى تصاب الدولة الاردنية بحالة من الهيجان التعبوي وتصبح حالة الطقس هي الشغل الشاغل للدولة الاردنية وتبدأ الوزارات المعنية وغير المعنية بالحديث عن خططها لمواجهة المنخفض الجوي وتظل غرف العمليات تعمل على مدار الساعة ويقف المواطنون طوابير لتخزين المواد الغذائية المطلوبة وغير المطلوبة وتتحول الافران الى مصانع تعمل على مدار بلا توقف لبيع الملايين من الارغفة وكأننا على وشك استقبال كارثة كما تشرع وسائل الاعلام باعداد عشرات التقارير واللقاءات مع اصحاب المعالي والحكام الاداريين للحديث عن استعداداتهم لمواجهة هذا المنخفض بكل ما لديهم من امكانيات وكأنه عدو شرس جاء ليقضّ مضاجعنا ويستنفذ مقدراتنا .


كلنا مع اخذ الاحتياطات اللازمة لكن ما نراه ونشهده هو حالة من ( الشو ) والاستعراض الذي يعمّق مفهوم التواكل عند المواطن ويجعله مشلول القوى خوفا من الزائر الأبيض الذي هو سبب في النعمة والخير. في الماضي القريب وقبل ان نصبح نحن المواطنين عبئا حتى على انفسنا كان الناس يبتهجون بنزول الثلج فهو ( ملح الارض) ومصدر الخير وكان دم الشباب (حاميا) وكان يتوفر في كل بيت اكثر من كريك وأكثر من مجرفة ويقومون بفتح الدخلات المؤدية الى بيوتهم وأحيانا كثيرة يقومون بقتح الشوارع دون ان يطلب منهم أحد .


أين نحن اليوم من ثلوج الأيام المباركة حين كان ارتفاع الثلج يزيد عن المتر واين نحن من ايام ( القحوريرة) حين كانت المزاريب ( تشقع) لعدة أيام دون توقف .. \\ نحن المواطنين مهزومون من الداخل ومخذولون وغير مهيئين للتعامل مع اية ظروف مفاجئة .. والمتابع لنشرات الاخبار يستهجن كل هذا الزخم الاعلامي والحديث عن غرف عمليات تعمل على مدار الساعة ويستقبح كيف يرضى وزير او محافظ على نفسه ان يقف امام الكاميرا ليتحدث عن ترتيبات واستعدادات واجراءات رغم ان كمية الثلج التي سقطت لا تستحق كل هذا العناء ولم تصل الى ( نص نعل حذائه ) .. لقد ساهمت وسائل الاعلام بترسيخ هذه الثقافة الانهزامية التي تبقي المواطن متمسمرا امام الشاشة بانتظارالاعلان عن تعطيل الجامعات والمدارس والدوائر الحكومية . آن الأوان ان لا نبالغ في الامور وان نضع في الحسبان ان فصل الشتاء يحمل المطر وقد يحمل معه الثلوج وعندها على كل بيت وكل مواطن ان يكون ايجابيا في التعامل مع الظروف الجوية ولأن من يستمع الى تقارير النشرات الجوية والطريقة التي تقدّم للمواطنين في البلد يظن اننا في ساحة حرب .


هناك موجات جويّة غيرعاديّة تتطلب من الدولة اتخاذ اجراءات استثنائيّة لكن ليس من المعقول ان تتحوّل فضائيانتا واذاعاتنا ( شو ) حيث يطل علينا المسؤولون تباعا للحديث عن الاحوال العامة في مناطقهم وليؤكّدوا جميعا على حسن سير العمل وان الامور كلها عال العال مع ان الامر قد لا يكون كذلك. مطلوب منا كمواطنين ان نكون اكثر عقلانية في التعامل مع المنخفضات الجويّة ومطلوب من اجهزة الدولة ان يكون عملها بعيدا عن الاستعراض لسبب بسيط لان ما تقوم به هو من صلب واجباتها . صحيح من حقنا كمواطنين ان نكون على علم مسبق بطبيعة وحجم هذه المنخفضات الجوية ليس من أجل مزيد من الاسترخاء والنوم وليس من اجل مزيد من ( الشو والاستعراض ) الحكومي والاعلامي بل من اجل ان نكون كلنا اكثر استعدادا لاستقبال الزائر الأبيض الذي هو من نعم المولى علينا وان نكون اكثر استعدادا ليقوم كل واحد منا بما هو واقع ضمن مسؤوليته سواء على مستوى الجهات الحكومية او المواطنين. ففي البلدان المتقدمة وعند الشعوب الحيّة الثلج فرصة للفرح والبهجة وعندنا الثلك مصدر للكآبة والارهاق والبقاء في الفراش .


أتابع باستمرار النشرات الجويّة وأتابع كذلك طرق تعامل دول الاقليم مع هطول الثلوج عبر اذاعاتها وشاشاتها فوجدتها أكثر رباطة جأش واكثر توازنا واكثر عقلانية منّا وأكثر ما أبهجني فيها صوت المطربة فيروز وهو ينطلق من اذاعات وفضائيات تلك الدول وهي تغني بصوتها المخملي ثلج ثلج عم بتشتّي الدنيا ثلج .. رأيت الفرح عندهم والانبساط ورأيت وشاهدت عندنا الرعب واستخدام كل الاسلحة المتوفرة لتشويه وتلطيخ سمعة هذا الزائر اللطيف الذي لا تطول في العادة اقامته ولكنه يغادرنا وقد خلّف لنا من الخير العميم ما يتطلّب شكر المنعم المتفضّل به علينا ربنا الواحد الاحد خالقنا ورازقنا والسؤال كيف يكون حالنا لو ان اقامة هذا الضيف تدوم عندنا طويلا ؟


MKATISHAT@YAHOO.COM


محمود قطيشات

تعليقات القراء
لايوجد تعليقات
 
أضف تعليقا
 
إسم المرسل  
البريد الإلكتروني  
 
النص    
 
     
إرسال