Skip Navigation Links  الأرشيف     الجمعة , 24 شباط 2017
أشرف إبراهيم الفاعوري
محمود قطيشات
محمود قطيشات
منور أحمد الدباس
فاخر مصطفى الضرغام حياصات
محمود قطيشات
ا . د حسين الخزاعي
رائد العمايره
سليمان المصري
 
كتّب للبلقا
الأربعاء , 21 كانون الأول , 2016 :: 6:39 ص

مغامرات صحفي ... الحلقة الثالثة

زرت السودان الشقيق ثلاث مرات خلال الأعوام 2004 – 2006 م ، وكانت أولاها الى اقليم دارفور الواقع على بعد 800 كلم من العاصمة الخرطوم ، تمّت الرحلة برفقة طاقم طبي مبتعث من قبل الحكومة الأردنية لاقامة مستشفى ميداني في ولاية جنوب الاقليم ليخدم السكان هناك ويخفف من معاناتهم الصحية والمرضية ، ركبنا من عمان بطائرة نقل عسكرية وبعد طيران استمر لسبع ساعات نزلنا في الخرطوم حيث جرى لنا استقبال رسمي ، وبعد أن أقمنا ليلة في أحد فنادقها توجهنا الى مطار مدينة نيالا عاصمة ولاية جنوب الاقليم ، وقبل الهبوط أبلغنا قائد الطائرة بأن مدرج المطار ليس مرصوفا بل هو من تراب وقد نواجه بعض المشاكل سواء من برج المراقبة أو من قبل المتمردين الذين يسيطرون على بعض مناطق الاقليم بما فيها المطار .. بعد ان هبطنا بسلام وحمدنا الله تعالى ركبنا في باص وانطلقنا حالا باتجاه مدينة كاس مقر عمل البعثة الطبية الاردنية ، بقينا طوال الطريق المعبّد التي تربط نيالا بكاس على أعصابنا ونحن نشاهد المسلحين الملثمين على جوانب الدرب يختبئون بين الأشجار الكثيفة لرصد السيارات الحكومية المدنية والعسكرية من أجل قذفها بالصواريخ المحمولة على أكتافهم ، كما شاهدنا خلال المسافة الممتدة ل 45 كيلومترا العديد من مخيمات الايواء المقامة للمدنيين الهاربين من المواجهات المسلحة بين المتمردين والجيش السوداني من جهة ومن الحروب القبلية التي تنشب بين وقت وآخر من جهة ثانية ، عند الوصول تنفسنا الصعداء خاصة بعد رؤيتنا لمشهد الاستقبال الرائع من قبل أهالي مدينة كاس البسيطين الذي اصطفوا رجالا ونساء وأطفالا على مدخل المدينة وحتى مقر الوالي مبتهجين بقدوم الفريق الطبي الذي سيقوم على تقديم الرعاية الصحية والعلاجية لهم ولكافة السكان من غير استثناء ، فوقفنا للحظات احتراما للمستقبلين الذين كانوا يقرعون الطبول ويؤدون رقصات شعبية وأغان فلكلورية وجميعهم من قبيلة البقارة أكبر القبائل في المنطقة .

في مقر الوالي حامد موسى حامد الذي استقبلنا أحسن استقبال تعرفنا على بعض وزرائه ومساعديه حيث أن لكل ولاية سودانية مجلس وزراء يتبع الوالي ، وبعد اتمام مراسم الضيافة ودّعنا الفريق الطبي الذي توجه الى مكان اقامته لمباشرة عمله ، وهنا طلبت من زميلي المصور التلفزيوني أن نعدّ تقريرا ميدانيا متلفزا في أسواق وأحياء مدينة كاس ونتعرف على مشاكل السكان وأحوالهم وقضاياهم ، استخدمنا سيارات أجرة بين الأحياء السكنية ثمّ مشينا على الأقدام داخل أحد الأسواق حيث لا تستطيع السيارة الوصول اليه حسب السائق حتى عرفنا فيما بعد أنه يخشى الدخول اليه لدواعي أمنية ، لكنّه – سامحه الله - لم يطلعنا على حقيقة الوضع وينصحنا بالابتعاد ،

 كنا نتجول بحرّية وثقة عالية من غير شعور بالخوف لجهلنا بخفايا الأمور ، وحينها لم نكن نحمل هاتف نقال أو أية وسيلة اتصال ، قمنا باجراء العديد من التغطيات والمقابلات مع شرائح مختلفة من السكان حتى بدأنا نلاحظ أنظار الناس من حولنا مشدودة نحونا وكأنهم ينتظرون حدوث شيء ما ، فبدأت اشعر بالارتباك والتوتر خشية قيام أحد المسلحين بالاعتداء علينا ، فاقترب مني أحد أفراد الأمن المدني الذي عرّف على نفسه ونصحني بالمغادرة حالا لأن المسلحين الخارجين عن النظام متواجدون بالمكان ويخطّطون لخطفنا ، وأشار الى أن الحكومة السودانية لا تتحمل مسئولية حمايتنا  بعد الآن ، فخرجنا من السوق وغادرنا مسرعين باتجاه مقر الوالي حيث كان الطيار الاردني ومساعده بانتظارنا هناك على أحرّ من الجمر خاصة بعد تلقيه تعليمات بالرجوع الى الخرطوم لأن الطائرة موجودة في مطار غير آمن ، وبالفعل عدنا الى نيالا وطرنا الى الخرطوم عائدين الى عمان .

 كل المعلومات المتوفرة لديّ أنّ المشكلة في اقليم دارفور تقوم على نزاعات بين الرعاة والمزارعين على مناطق الكلأ والماء ، وهي صراعات تغذيها الانتماءات القبلية لكل طرف ، لكنّ الحقيقة التي سمعتها من المواطنين وأصحاب الشأن السياسي هناك أن سبب المشكلة هي اسرائيل وليبيا وبالذات من شخص الرئيس السابق معمر القذافي الذي ساهم الى حد كبير في تغذية هذه الفتنة ، أما هدف اسرائيل فهي أطماعية بسبب أن دارفور غنية بالمواد الخام كالبترول واليورانيوم وفيها احتياطي نفط يبلغ 7 مليارات برميل وتقوم اسرائيل في ذلك الوقت باستخراجه وتصديره وبيعه لحسابها ومن مصلحتها اشغال الدولة السودانية بمشاكل داخلية ، أما أطماع القذافي فهي انتهازية هدفه ابعاد المتمردين عن حدود بلاده حيث قام بتسليحهم ودعمهم لمقاتلة قوات الجيش السوداني في دارفور ، وبسبب ذلك راجت في الاقليم تجارة السلاح المجلوب من ليبيا ، لكن أحيانا يتم احتواء المشاكل وتسويتها بين المتناحرين في دارفور من خلال النظم والأعراف المجتمعية السائدة وتدخل حكماء وشيوخ البلاد في تسوية الخلاف .

كثير من أهل الاقليم الذين يصل تعدادهم لأكثر من ثمانية ملايين نسمة يسكنون في عرائش تصنع من أغصان الأشجار ويعمل غالبيتهم في تربية الأغنام والجمال والزراعة حيث تمتاز اراضيهم بالخصوبة التي لم أر مثيلا لطبيعتها الحمراء المشعّة ، وتهتم القبائل المستقرة في الاقليم الذي يشكل خمس مساحة الدولة بانتاج الكركدي والصمغ العربي والفول السوداني والصناعات الغذائية والجلدية ، لكنّ الحروب التي تتجدد بين وقت وآخر تجبر الأهالي على التهجير القصري وترك منازلهم بعد تعرض قراهم للهدم ونسائهم للاغتصاب وممتلكاتهم  للحرق والسلب من قبل المسلحين ، كما يشهد الاقليم كل شهر موت الآلاف من المدنيين نتيجة لنقص الغذاء والماء والرعاية الصحية والمأوى ، وقد أخبرني أحد الأشخاص بأن السكان هناك ينتظرون يوميا وبشكل اعتيادي مرور احدى السيارات الكبيرة التابعة للبلدية لجمع جثث الموتى الذين فقدوا حياتهم بسبب الحروب والمجاعة والامراض ليتمّ نقلهم الى مقابر جماعية من غير طقوس أو صلوات .
   
 



محمد الوشاح

تعليقات القراء
لايوجد تعليقات
 
أضف تعليقا
 
إسم المرسل  
البريد الإلكتروني  
 
النص    
 
     
إرسال