Skip Navigation Links  الأرشيف     الخميس , 25 أيار 2017
محمود قطيشات
الدكتور المهندس إبراهيم محمد العدوان
محمود قطيشات
رائد علي العمايرة
فاخر مصطفى الضرغام حياصات
فاخر مصطفى الضرغام حياصات
 
كتّب للبلقا
الأحد , 27 تشرين الثاني , 2016 :: 4:12 م

حجر المجنون

حجر المجنون قالوا في المثل الأردني(مجنون رمى حجر بالبير وألف عاقل ما اطلعه) وهو مثل يُهَوِّلُ من نتائج الرَّدِّ على جَهالةٍ بمثلها،حتى لا يتطور الرَّدُ على جهالة جاهلٍ، الى كارثةٍ عامَّةٍ،تحرق الأخضر واليابس. والمثل قديمٌ جداً،إن لم يكن بنظم حروفه،فقد كان بفَهْمِهِ وتطبيقه واقعاً، ومنذ الجاهلية الأولى!!


فقريشٌ الوثنية لم تقتل النبي صلى الله عليه وسلم،حتى لا يثأر بنوا هاشم من قاتله، وتنشب حربٌ بين أبناء العمومة، تفسد معها أسواقهم، ويمتنع الناس من الحج الى مكة، كما لم تقتل قريش عبد الله بن مسعود،وهومن (هُذيلْ) ومجرَّدُ راع للغنم، وقد أسمعهم متعمداً القرآن الذي يحاربونه ،فتنبهوا بعد ان ضربوه الا يزيدوا فيقتلوه،فتنشب حربٌ بينهم وبين (هُذيل)!! كما امتنعوا عن قتل أبي ذرٍ الغفاري-برغم أنه اعتلى الكعبة مُعلناً إسلامهُ وصادحاً بشعار التوحيد-حتى لا تقطع قبيلته(غفار)طريق قوافلهم،ومثل هذا كثير مما مَنع قريشا(في الجاهلية الأولى،أن تقتص ممن يغيظها أو يسيء إليها(حسب فهمها للإساءة)حفاظاً على استقرار عيشها ورخائها ومكانتها، برغم أنهم أهل الفزعات والنجدات والعصبية،ولكن صوت العقل(عند قريش الجاهلية)كان أقوى !عندما كانت نتائج أي نزاع قد تخلف كارثة محققة أو متوقعة، ولم نسمع أن أحداً وصف قريشاً بأنهم جبناءَ.


كل هذا في الجاهلية الأولى،أما في الجاهلية الحديثة،وبلا خلاف على عقيدة أو دين،وفي مكان اجتمع فيه الشباب الغضُّ لتلقي العلم، مع صعوبة عيش، وقدوم كثير منهم من الشمال والجنوب والغرب،وتَحَمُّلِ آبائِهِمْ أعباءَ وتكاليفَ باهظةً ليحصل الأبناء على شهادات ترفع من مستواهم الفكري والعملي. ثم نفاجأ أن نزاعاً بين اثنين منهم، يتطور فوراً، ويتبعه تحشيد،من كلا الطرفين المتنازعين،وجوامع التحشيد كثيرة،كلما توسع الوسم، فأنا من عشيرة العمايرة ،يجمعني بعشائر أخرى في السلط، وسمٌ يسمى الحارة،ويفصلني هذا الوسم عن عشائرالأكراد،ثم يتطور الوسم ليجمعني مع الوسمين بوسم السلط، ثم يتوسع ليجمعني مع بني عباد بحكم السكنى والجوار والمصاهرة،ثم يتطور الوسم ليجمعني بالبلقاوي نسبة للأصل،وهكذا حتى تغرق البلاد بالدم والحرائق،وكل هذا لأن شخصاً من وسمٍ آخر، لم يعجبني تَجاوزَهُ بسيارته عني، فلم يحترم تَبَخْتُرِي في وسط الطريق السريع،أو لأنني نبهته(بزامور)عندما اغلق الطريق وركن سيارته في وسطها،ولم يكترث بطابور سيارات خلفه يريد العبور! .


والغريب اننا لا نبحث عن الجوامع التي تجمعنا، الا عند التحشيد للخراب،وننسى كل الجوامع التي تجمعنا كمثل الدين الواحد،وبعده الوطن الواحد، والدم الواحد،والمصلحة الواحدة،والهَمُّ الواحد،والمصير الواحد،وأننا متشابكون لدرجة الانصهار،فأبناء الجنوب والشمال يدرسون ويعملون في البلقاء،وأبناء البلقاء والجنوب والشمال يدرسون ويعملون في الجنوب والشمال،ويمتزجون في الجامعات والمعسكرات والمؤسسات،وأننا تختلط دماؤنا ولحومنا بالمصاهرة والنسب،فأخوال هذا من اولئك وأخوال اولئك من هؤلاء.فممن يقتص الجاهل للجاهل يا ترى؟!. والأغرب أنني لا أجد في المسلمين وغير المسلمين من ابناء عصر الحضارة والعلم أحداً يستمع لصوت العقل الذي استمع له، أبو جهل وأكبر رؤوس بني مخزوم،عنجهية وكبراً،عندما مَنع شباب مكة من قتل ابن مسعود(الذي يعمل راعيا للغنم)في مكة وليس حوله أحدٌ من ابناء قبيلته هذيل. إن النسق الذي يميز المشاجرات في الأردن،واحدٌ دائما ونتائجه متشابهة في الأغلب، فعندما يَعتدي أحد أبناء بلدي عليَّ،أقوم بتحشيد أبناء عشيرتي،ونهجم على المعتدي،ثم يحشد المعتدي حَشْدَهُ،ويهجم علينا! ثم تتحطم ممتلكات وتهشم وجوه وتكسر أطراف، وقد يتطور الأمر فيُقتل بعض الطرفين، والنتيجة توقيف في المخافر وحبسٌ ودِيَةٌ(وتكاليف علاج في المستشفيات الخاصة)وإغلاق مصالح ترتزق منها عائلات، وجلواتٌ وخوفٌ وعطواتٌ وصلحاتٌ.


ولم نسمع أبداً بعد أي مصيبة رواية مختلفة، وأن فلانا من قبيلة كذا، قتل رجلا ثم احتمى بعشيرته فلم (يُسَلِّموهُ للمحكمة)،ولم نسمع أن عشيرته رفعت رايات النصر خفاقة،ولم نسمع أنها لم (تتسول وجوه العشائر الأخرى) ليسعوا في الصلح،"ولملمة المصيبة بعد ان بلغ البلاء بهم مبلغه" ولم نسمع أن أبا المعتدي واعمامه قلَّدوهُ قلادةً النصر،ونَصَّبوهُ فارساً للعشيرة،ولم نسمع أنهم احتموا في مضاربهم وحَمَوا حدودهم وخشي المُعْتَدَى عليه أن يهاجمهم ليثأر منهم. أقسم أنني لم أسمع ولم أرَ بعدَ أي نزاع، أن عشيرةً انتصرت على عشيرةٍ،أو أن بلدة في وطني غلبت بلدة ونالت شرفا وسؤدداً،ولم أر يوما غنائم حرب يتقاسمها المنتصرون، وإنما خسائر في الطرفين.


ثم ترى في مواقع التواصل، من يشهر بندقية متوعداً!، ولا أدري ألا يعلم هذا أنه يشهرها في وجه أبيه وأعمامه وأبناء عشيرته؟! لأنهم هم من سيحصدون ثمن حماقاته،عندما يقتل بها أحدا فيجُرُّ على اهله حرق بيوتهم وإجلاءهم عن مساكنهم ،وخسارتهم لوظائفهم وتجارتهم،وربما كان سببا في قتل أحدهم،فضلا عن سجنه هو وربما إعدامه. لماذا لم نر الوجهاء يعلنون الطوارئ منذ انطلاق شرارة الشر؟! أم ينتظرون حتى تضطرم النار ويسيل الدم ليقوموا بأدوارهم الاستعراضية،ويلقوا مواعظهم الركيكة؟!. أين المؤسسة الأمنية، التي تعلم كل العلم أن شرارة الشر تبعها تحشيد وتحطيم وتهديد ووعيد،وتفاعل على وسائل التواصل،وإيذان بميعاد متجدد للمواجهة؟! لو كان التحشيد لمظاهرة أو اعتصام مثلاً،أليس تغلق الطرق،وتجرف الارض التي يراد التجمع فيها،لماذا لم يعلق الدوام في الجامعة بعد اندلاع شرارة المشكلة،واعتقل الأطراف المتنازعون،بدلا من تركهم الى اليوم التالي،لحين وقوع كارثة أكبر،ثم يعلق الدوام بعد ذلك؟! أين هم اهل العقول والألباب والحزم،ليخرجوا حَجَرَ المجنون ؟! ويمنعوا بعد ذلك كل مجنون ويصادروا أحجاره قبل أن يقترب من البئر؟!


رائد علي العمايرة

تعليقات القراء
لايوجد تعليقات
 
أضف تعليقا
 
إسم المرسل  
البريد الإلكتروني  
 
النص    
 
     
إرسال