Skip Navigation Links  الأرشيف     الأربعاء , 16 آب 2017
 
مقهى القماز
الثلاثاء , 04 تموز , 2017 :: 1:09 م

مدرسة السلط .. في (90) عاماً .. فن العمارة .. منارة العلم

درويش الكاشف


لم تكن مدرسة السلط أول مدرسة ثانوية فحسب ،بل المدرسة الرائدة في مجالات عدة؛ تشكلت فيها أول فرقة كشفية وموسيقية في العام 1923، وأول مكتبة مدرسية تأسست في العام 1925 ،وأول جمعية رفق بالحيوان في العام 1926م, وصدرت فيها مجلة مدرسية في العام 1928م, وكان فيها أول مرصد جوي بسيط, وظهرت صورتها في طابع بريدي في العام 1982م. وتحتفظ هذه المدرسة منذ إفتتاحها في العام 1919م بأرشيف لكافة الوثائق ومن أهمها الوثيقة التاريخية بمبايعة أهالي السلط الشريف الحسين بن علي –رحمه الله- في العام 1924م. ويحتضن حرمها منذ العام 2008م أول متحف للكتاب المدرسي على مستوى الوطن العربي.


وإذا كانت مدسة السلط في العام الدراسي (2015-2016) قد دفعت كوكبة من أبنائها النشامى الذين يمثلون فوجاً جديداً من خريجيها, فإن كل المدارس فعلت فعلها, لكن أياً من هذه المدارس لم تقدم فوجها التسعين مثلها.


موقع مدينة السلط:


تبعد مدينة السلط عن عمان العاصمة (27) كيلو متراً, وهي مدينة جبلية , وقد شّكلت مركز جذب سكاني منذ العصور القديمة نظراً لخصوبة أراضيها وتوافر المياه وإعتدال الطقس فيها, ولموقعها الاستراتيجي الذي يتوسط مناطق تاريخية في بلاد الشام. وفوق هذا وذاك كرم وطيبة أهلها. ويستدل من اسمها القديم (سالتوس) أنها الغابة الكثيفة الأشجار .


=المباني التراثية:


الأصالة والجمال من أرقى مظاهرها التاريخية، حيث تتميز عن غيرها من المدن بمبانيها التراثية وفنون عمارتها ولون حجارتها الاصفر الترابي. وتناثرت تلك المباني ومنها – مدرسة السلط الثانوية للبنين- على تلالها وسفوحها في تناغم وإنسجاب جذاب , حيث تم إدراج مدينة السلط مؤخراً ضمن لائحة التراث العالمي لدى منظمة اليونسكو.


وأما مدرسة السلط, فإنها تحكي بشموخها قصة الأردن الغالي . وليس أدل على ذلك من قول جلالة الملك الحسين – رحمه الله - : .. فلست أجد مدرسة ولا مؤسسة في بلدنا إرتبط تاريخها بتاريخ الوطن, وإتصل استمرارها ببناء الدولة وتطورها كمدرسة السلط العريقة,,.


المباني المستأجرة: بعد العهد العثماني وفي العام 1919م أفتتحت أول مدرسة أولية (ابتدائية) في السلط. وكانت تشغل بيوتاً مستأجرة غير ملائمة, وآخرها بيت الحاج فوزي النابلسي - مقابل مسجد السلط الصغير – وأقامت فيه مدة خمس سنوات قبل انتقالها إلى الموقع الحالي. وأصبحت المدرسة الثانوية الأولى منذ عهد الأمارة. وكانت قد أفتتحت ثلاث مدارس ابتدائية في شرق الأردن في الألوية الثلاثة الأخرى.


الأسماء التاريخية للمدرسة :


حملت المدرسة عبرتاريخها عدة أسماء وآخرها:


,,مدرسة السلط الثانوية للبنين,,


وهو الاسم الذي أطلق عليها منذ العام 1939م وحتى اليوم. ومن الأسماء التي أطلقت عليها أيضاً(المدرسة الحربية) وذلك نسبة إلى الكلية الحربية التي درس فيها «محمد أديب» وهبة في الآستانة (اسطنبول) تقديراً لجهوده في تأسيس هذه المدرسة, حيث كان – وقتذاك- يشغل منصب مدير عام المعارف. وهناك اسم آخر هو مدرسة (التجهيز) وكان هذا الاسم على نمط المدارس الثانوية في سوريا.


موقع التل: لهذا كله, فقد تنادى أهالي السلط للبحث عن قطعة أرض تكون ملائمة لبناء مدرسة عليها, وقد وقع الاختيار على الموقع الحالي (تل الجادور) .


أهمية الموقع: تتربع هذه المدرسة على قمة هذا (التل) المطل على وادي السلط الجميل من جهة وعلى ملتقى سفوح جبال المدينة من جهتها الأخرى. ولهذا الموقع الذي يطلق عليه علماء الآثار (تل الجادور) أهمية تاريخية ودينية. حيث كشفت عمليات الدفن في المقبرة المجاورة والحفريات أثناء بناء المدرسة وتسوية أرض الملعب على الكثير من هذه الآثار وأبرزها اكتشاف جزء بسيط من الجدار(أي السور) الدفاعي للمدينة في حرم المدرسة ويرجع إلى فترة العصر البرونزي الوسيط قبل الميلاد, ولأهمية هذا الإكتشاف, فقد أقامت وزارة السياحة والآثار فوقه مظلة خشبية للحفاظ عليه. وبذلك تكون مدينة السلط من أقدم المدن الدفاعية التي أحيطت بسور دفاعي في هذه المنطقة. وتدل هذه المكتشفات أيضاً على أن منطقة التل كانت مأهولة بالسكان في الفترتين الرومانية والبيزنطية. وكانت تقوم على التل مدينة(جادورا) Gadora عاصمة مملكة (بيرايا) التي ظهرت في القرن الأول للميلاد. وأما الأهمية الدينية, فإن المدرسة تقع بجوار مقام النبي جاد بن النبي يعقوب عليهما السلام.


التبرع بأرض المدرسة:


بعد إختيار هذا الموقع تبرع كل من :


أحمد الحاج عبد الله الحديدي(1871-1966م) وسويلم عبد القادر الجغبير (1889-1945م) - أحد رؤساء بلدية السلط السابقين – بجزء من الأرض المراد أقامة المدرسة عليها. ثم شكلت لجنة من رئيس بلدية السلط – وقتذاك- سعيد مصطفى نصر الله الصليبي (1878 – 1951م) وعضوية كل من : علاء الدين عبد الرحمن عبد الرزاق طوقان(1871-1944م) لإدارة هذا المشروع ومن عبد الرحمن أسعد خليل كوكش (1876-1964م) لتوفير وشراء مواد البناء وكافة المستلزمات الأخرى. ولقد تم شراء تلك المواد من مدينة حيفا بفلسطين (وهي مدينة ساحلية فيها مرفأ ومصنع اسمنت ومصفاة لتكرير النفط القادم من العراق مروراً بالأردن) ونقلت هذه المواد بواسطة شاحنات الجيش البريطاني الى السلط. وأما الحجر الأصفر الترابي, فكان من أحد جبال السلط ومنطقة وادي شعيب.


جمع التبرعات:


كان مدير المعارف – وقتذاك-»محمد أديب» حسين وهبة (1892-1949م) – كما أسلفنا- قد عقد اجتماعاً موسعاً مع أهالي ورجالات السلط من أجل جمع التبرعات لبناء المدرسة. وتجلى في هذا الاجتماع الكرم والأصالة في أبناء السلط, فهبوا جميعاً للتبرع بما تجود به أنفسهم وبما لديهم من أموال وحبوب ومنتجات زراعية وجاءت التبرعات من كل مكان وفُرضت مبالغ على الميسورين. ومن الذين حضروا هذا الاجتماع نذكر منهم - وليس الحصر – مع حفظ الألقاب - : محمد الحسين , نمر الحمود, فلاح الحمد, محمد مبارك العزب, بخيت الابراهيم الدبابنة, طاهر أبو السمن, عليان السالم الحياري, صالح العيد قاقيش, أحمد الحديدي, سرور قطيشات والخوري أيوب الفاخوري وغيرهم.


وضع حجر الأساس :


وبعد تجهيز الأرض المتبرع بها وتأمين المواد اللازمة ومستلزمات البناء, من قبل اللجنة, وفي يوم 12/5/1923م تفضل سمو الأمير عبد الله بن الحسين (الملك المؤسس) بوضع حجر الأساس بيده الكريمة باحتفال مهيب في موقع المدرسة. وفي زمن قياسي بأقل من عامين (سنة وسبعة أشهر) أكتمل البناء.


اليوم الأول للمدرسة:


وفي يوم السبت 19/9/1925م استقبلت المدرسة تلاميذها في مبناها الجديد على التل : وكان يوماً مشهوداً في تاريخ مدينة السلط إشتركت فيه الفرقة الكشفية ومن ضمنها الفرقة الموسيقية للمدرسة وخلفها جمهور كبير من أهالي المدينة وكأنه عرس وطني.


الإفتتاح الرسمي: وفي يوم 12/12/1925م تم الافتتاح الرسمي برعاية سمو الأمير عبد الله بن الحسين – رحمه الله- وكان عدد طلابها (200) طالب وأساتذتها(11) معلماً وكان بعضهم من الأقطار العربية المجاورة (فلسطين , سوريا, لبنان ومصر) وكان هؤلاء الاساتذة هم الرّواد الأوائل للمدرسة يشحذون الهمم ويعلمون الطلبة حب الوطن من خلال الأناشيد الوطنية, وكانت لهم مكانة خاصة في قلوب أهالي المدينة. أما عدد غرف البناء فكان (20) غرفة منها أربع خارجية منفصلة عن البناء الكبير أستخدمت منامات للطلاب والمعلمين من خارج السلط خلال الأعوام (1925- 1928م). كما أُحضرت الكتب المدرسية من تلك الأقطار العربية.


الفوج الأول من الخريجين:


وفي العام الدراسي (1925-1926) قدمت المدرسة الفوج الأول من خريجيها وعددهم أربعة وهم: داود تفاحة, أحمد الظاهر , عبد الرحيم الواكد وعلي مسمار. وفي العام الدراسي (2015-2016م) قدمت المدرسة بكل فخر واعتزاز فوجها (التسعين) وعددهم (192) طالباً.


النخبة من الخريجين:


وكانت المدرسة قدمت – عبر مسيرتها في تسعين عاماً – نخبة من القياديين الذين تبوأوا المراكز الإدارية العليا في الدولة. نذكر بعضهم- مع حفظ الألقاب-


رؤساء الحكومات عدد(7) الوزارء عدد (72) رؤساء مجلس الأعيان عدد (3)


رؤساء مجلس النواب عدد(4) رؤساء الديوان الملكي عدد (3) رؤساء السلطة القضائية عدد(3)


قادة الجيش عدد (3) رؤساء الجامعات عدد(7)


البناؤون والنقاشون:


كان قد عهد الى معلم البناء عبد الرحمن أسعد كوكش –بالإضافة الى شراء المواد – القيام بأعمال البناء وشاركه في هذا العمل كل من : محمد الجرار, محمود أبو غزالة وعبد الرزاق السيد الغلاييني الى جانب عدد من الذين يدقون وينقشون الحجارة من أمثال فريز الحاج حسين و رامز كوكش و جريس النجار و غيرهم من المهنيين و الحرفيين والعمال. ونستذكر السجناء في سجن السلط – وقتذاك – الذين تبرعوا متطوعين للمشاركة في فتح الطريق المؤدي الى المدرسة من البياضة الى التل. كما قدم أهالي السلط المشاركة الممكنة كل حسب طاقته ومقدرته.


فن العمارة ودلالة الموقع:


العمارة فن قبل أن تكون هندسة, ومدرسة السلط كغيرها من المدارس العريقة في بلاد الشام ذات طابع وطراز معماري عربي اسلامي أصيل, وذلك لإطلالة الموقع والتصميم الهندسي المميز وإختيار الحجر الأصفر الترابي لبناء الجدران في الداخل والخارج والبلاط الملون والمزخرف كأنه سجادة مزخرفة ولوحة فنية متعددة الألوان رائعة الجمال. كما أن اختيار هذا الموقع كان له دلالاته , حيث جاء إتجاه مبنى المدرسة للجهة القبلية لإسباب مناخية , واتجاهها شمالا صوب مدخل المدينة يدل على أن المدرسة هي روح المدينة تتجه نحوها فاتحة قلبها وذراعيها لكل القادمين اليها من كافة أرجاء الوطن, فغدت أم المدارس وخرجت على مدى (90) عاماً القادة وصّناع القرار وساهمت في بناء الدولة منذ أيام الرعيل الأول وكان لها دور مهم لإبراز وتصدير الكفاءات الى أنحاء الوطن.


كما تّميز المدخل الرئيس للمدرسة بإقامة منصة أمامية تقوم على ستة أعمدة حجرية ولكن هذه الاعمدة قد تأثرت بالزلزال الذي ضرب المدينة والمنطقة في العام 1927م ما أدى الى تشقق وسقوط أعمدتها ولم يبق منها سوى قواعد الاعمدة وتيجانها شاهدة عليها حتى اليوم. ونتوجه الى اللجنة الملكية باعادة إنشاء تلك المنصة في موقعها القديم.


وأما جدران المبنى فإنها تتميز بالسماكة وارتفاع الاسقف ما أعطاها خاصّية العزل الحراري حيث تتوافر داخل المبنى البرودة صيفا والدافئة شتاءً. ومما يلفت النظر ويبهر البصر أيضاً أن بلاط أرض الممرات والقاعة الداخلية (صالة الصور) مازال يحافظ على حالته الاولى من حيث الزخرفة وجمال الالوان دون تغيير رغم طوال السنين وتعاقب الخريجين. وأما النوافذ والأبواب , فقد جاء تصميمها منسجماً مع طبيعة الموقع والمكان والطراز المعماري والفن الإسلامي, حيث جاء تصميم النوافذ على جانبي المدخل الرئيس للمبنى بعددها الثمانية في كل جانب في اشارة ودلالة لعدد ابواب الجنة الثمانية.


1- مراحل اعمار بناء المدرسة:


- وضع حجر الاساس لبناء المدرسة بتاريخ 23/5/1923م من قبل سمو الأمير عبد الله بن الحسين-رحمه الله- .


2- بناء الطابق الثاني:


بسبب زيادة عدد الطلبة , فقد أمر جلالة الملك الحسين –رحمه الله- ببناء الطابق الثاني في العام 1956م ويتكون من (9) غرف صفية وغرفة إدارة مساندة ومرافق صحية مستقلة. وبدأت الدراسة في هذا الطابق في العام التالي ويلحظ أن نوافذ هذا الطابق جاءت مغايرة لنوافذ الطابق الارضي, حيث صممت دون أقواس وّعد هذا خطأ في التصميم.


3- في العام الدراسي (1964- 1965م) تم رصف الساحة الخارجية الواقعة بين المبنى الكبير والغرف الخارجية بالحجارة وصبها بالاسمنت والبالغة مساحتها حوالي (2000) متر مربع وذلك على نفقة المدرسة.


4- في العام (1983- 1984م) أقيم في حرم المدرسة مسجد ومئذنة بتبرع من المهندس عوني زكي الشاكر أحد خريجي المدرسة. وقد اخذت حجارة مبنى المسجد من بقايا حجارة مسجد السلط الكبير الذي هدم في العام 1965م وعهد الى بناء المسجد لأحد معلمي البناء المعمرين في المدينة وهو عبد الرزاق الحاج ذيب – رحمه الله-.


5- وفي نهاية الثمانينات من القرن الماضي , وبأمر من جلالة الملك الحسين – رحمه الله – فقد تم عمل الصيانة اللازمة لمبنى المدرسة وعمل مدات ميلان وجدران استنادية وتنظيف الحجر الأصفر بالقذف الرملي.


6- وفي 22/4/1992 وأثناء زيارة الملك الحسين – رحمه الله – للمدرسة, أمر جلالته بتشكيل (اللجنة الملكية العليا لمتابعة أمور المدرسة ) وباشراف الجمعية العلمية الملكية ومؤسسة إعمار السلط احدى الجهات الراعية للحفاظ على إرث مدينة السلط العمراني والثقافي. وكان الهدف من إنشاء اللجنة الملكية العمل على تحسين البيئة المدرسية وتطوير العملية التربوية والتخطيط وجمع التمويل وتنفيذ المرحلة الرابعة لتطوير المدرسة . ويعاد تشكيل اللجنة كلما اقتضى الحال.


7- في العام 1996م بدأت اللجنة الملكية بأعمال (المرحلة الثانية) وذلك بإقامة مبانٍ جديدة ومنشآت أخرى في حرم المدرسة.


8- وفي (المرحلة الثالثة) من أعمال اللجنة تم استملاك أراضٍ جديدة وضمها الى ارض المدرسة ومتابعة انجاز المباني التي بوشر العمل بها. وكذلك إقامة بوابة قوسية حجرية على المدخل الخارجي للمدرسة.


9- خلال زيارة جلالة الملكة رانيا العبد الله للمدرسة بتاريخ 29/5/2008م أعلنت جلالتها إدراج المدرسة ضمن مبادرة مدرستي.


10- وبناء على توجيهات ملكية من جلالة الملك عبد الله الثاني – حفظه الله-, فقد وضعت جلالة الملكة رانيا العبد الله حجر الأساس (للمرحلة الرابعة) بتاريخ 15/11/2014م التي بدء العمل بها في3/4/2014 وتشمل هذه المرحلة على إقامة مبانٍ جديدة وهي : مبنى للمكتبة من اربعة طوابق ومبنى النشاطات الطلابية من ثلاثة طوابق وتلبيس مبنى المختبرات بالحجر الاصفر وتوسعة المدرج الحجري وفرش ارضية الملعب بالعشب الصناعي واعادة تأهيل مبنى الخدمات والمسرح وتبليط مدخل المدرسة بالحجر البازلتي الاسود وعمل مواقف للسيارات.


وبعد هذه الصفحات المضيئة والسنوات المشرقة من عمرها التسعين, فإن أم المدارس – مدرسة السلط الثانوية للبنين – تفخر وتعتز بهدية جلالة الملك الحسين الباني – رحمه الله – لمناسبة ذكرى احتفالها باليوبيل الذهبي في 16/5/1976 ،(وسام الاستقلال من الدرجة الأولى)



تعليقات القراء
لايوجد تعليقات
 
أضف تعليقا
 
إسم المرسل  
البريد الإلكتروني  
 
النص    
 
     
إرسال