Skip Navigation Links  الأرشيف     الجمعة , 20 تشرين الأول 2017
 
مقهى القماز
الجمعة , 12 أيار , 2017 :: 7:22 ص

بستان أبو رصّاع.. الجمال يحيط بسلّة خضرتها

درويش الكاشف


الأصالة وجمال الطبيعة من أرقى مظاهر مدينة السلط وجوارها سواء التاريخية أو المعاصرة , حيث شّكلت هذه المدينة مركز جذب سكاني منذ العصور القديمة, وذلك لخصوبة أراضيها وتوافر المياه وإعتدال الطقس فيها, ويستدل من إسمها القديم «سالتوس» أنها الغابة الكثيفة الأشجار . وليس أدل على ذلك من كثرة بساتينها في واديها الجميل ووادي شعيب القريب منها, وأشجارها الحرجية في جبالها وسفوحها وكافة أراضيها.


ونتناول في هذا اللقاء أحد بساتين مدينة السلط الذي كان يُعرف بـِ(بستان أبو رّصاع) ونستذكر أشهر الضامنين لهذا البستان من عائلة أبو رصّاع وهو أحمد وولده عبد الرحيم (1900-1974م)الذي تولى العمل بعد وفاة والده. وكان هناك ضامنون آخرون لإجزاء صغيرة من البستان من عائلتي خرفان والصّراوي. وكان الضامن من عائلة خرفان يعتني بأشجار الفاكهة خاصة التين بأنواعه , وأما الضامنة من عائلة الصّراوي كانت سيدة تدعى أم خليل تعتني بزراعة النباتات العشبية في قطعة من أرض البستان تفصلها قناة الماء عن بقية البستان.


موقع البستان


كان موقعه في وسط البلد أو قاع المدينة وملتقى سفوح جبالها وتلالها بمحاذاة شارع البياضة (المدخل الجنوبي للمدينة) من جهة وشارع اليرموك (أحد الشوارع الفرعية المؤدية إلى مدرسة السلط وتل الجادور) من جهة أخرى.


وكان الوصول إلى أرض البستان بواسطة عبّارة (جسر بدائي) لهيكل شاحنة كبيرة (خردة) يمتد من الطريق العام إلى أرض البستان مغطى بأغصان وجذوع الأشجار والتراب. كما كان يفصل بستان أبو رصّاع عن البستان الذي أقيم عليه موقف ومجمع الحافلات الخارجية (الباصات) جسر تركي على مجرى الأمطار (السيل) الذي شيد على طريقة الجسور التركية القديمة وجاء على شكل قناطر وعقود حجرية.


وكان هذا الجسر يؤدي إلى طريق تل الجادور ووادي المحباصّية . ولقد تهدم الجسر أثناء تعرضه لحادث الفيضان الذي وقع في السلط في شهر تشرين الثاني 1941م وأجتاح وقتها مدرسة اللاتين أيضاً وتسبب في وفاة أربعة أطفال من طلابها غرقاً.


وقامت بلدية السلط بإنشاء الجسر الحالي على مجرى الأمطار في ذات موقع الجسر التركي, وذلك في أوائل الخمسينات من القرن الماضي.


انتاج البستان


كان البستان يُعد من أجمل بساتين المدينة وسلة خضارها ودائم الإخضرار على مدار السنة وتزرع فيه الخضراوات الصيفية والشتوية بأنواعها وتحيط به أشجار الفاكهة خاصة اشجار التوت والرّمان والتين بأنواعه المختلفة (الإخضاري, الإموازي, الحماري والعجلوني)وغيرها. كانت منتجات البستان والبساتين الأخرى في وادي السلط ووادي شعيب تُوّرد يومياً إلى سوق المدينة المركزي(الحسبة) الكائنة على بعد خطوات من بستان أبو رصّاع, حيث كانت هذه البساتين توفر الإكتفاء الذاتي من الخضراوات والفاكهة لسكان المدينة وجوارها. كما كانت بعض الأسر في المدينة تحصل مباشرة بالمقابل على منتجات البستان الورقية مثل اللخنة الزرقاء (التنقيبة) والخس والنباتات العشبية مثل البقدونس والنعناع والكزبرة, أو بترتيب مسبق مع ضامن البستان(تواصي) خاصة تلك التي تستخدم لأغراض المؤنة مثل: الباذنجان البلدي والفليفلة الحلوة لصنع المقدوس وغيرها. كما كانت من عادة ضامن البستان إقامة بسطة في مدخل البستان خلال شهر رمضان في كل عام يعرض فيها بعض منتجات البستان تباع طازجة لأهالي المدينة مثل: الفجل, البصل الأخضر , النعناع , البقدونس و الكزبرة.


ملكية أرض البستان


كانت تعود إلى آل الداود. مساحتها الاجمالية حوالي (13) دونماً. ومن البيوت التي كانت شرفاتها تطل مباشرة على أرض البستان بيتان إلى فريز الحاج حسين (أبو حسني) وبيت إلى الحاج عبد الله الداود (أحد رؤساء بلدية السلط السابقين) واستخدم هذا البيت في احدى السنين الماضية من قبل مدرسة السلط قبل إنتقالها إلى موقعها الحالي في تل الجادور, ثم أقامت فيه عائلة أبو رصّاع لقرية من البستان(هدمت هذه البيوت لغايات التنظيم). وكان على زاوية الواجهة الشمالية لأرض البستان مطحنة لدقيق القمح (مكان المسجد حالياً) تدعى مطحنة الأرمني أو ببور الحطب. وكان هناك بستان آخر مجاور لبستان أبو رصّاع في الأرض التي أقيمت عليها مدرسة عقبة بن نافع في عقد الستينات من القرن الماضي ويفصل بينهما أحد شوارع المدينة الرئيسة وكان من الضامنين لهذا البستان عائلة أبو البصل.


مياه ري البستان


كان بستان أبو رصّاع والبستان الآخر المجاور يُرويان من المياه الفائضة عن عيون الماء التي كانت تستقي منها المدينة ويستمر جرياتها إلى مشارف وادي السلط أيضاً.


العناية بأرض البستان


كان ضامن البستان عبد الرحيم أبو رصّاع مزارعاً متميزاً يعتني بأرض البستان العناية الفائقة , من حيث الأعمال الزراعية كالحراثة والتسميد والري والمتابعة المستمرة ويستغل الأرض استغلالاً جيداً.


ويروى عنه أنه كان طيب الخُلق وكريم النفس ويخص الجيران بالعطايا من انتاج البستان دون مقابل. كما كان يغض الطرف عن الذين تشتهي أنفسهم بقطف الثمار من اشجار البستان التي كانت أغصانها تتدلى وقطوفها تتدنى على جوانب الطرقات خاصة الطريق المؤدية إلى مدرسة التل والمحاذية لأرض البستان وذلك دون مقابل !!


طرائف وحكايات


ومن الطرائف التي تروى عن البستان أن أحد طلبة مدرسة السلط كان من سكان المدينة بحكم عمل والده قد عمد في أحد الأيام – ورفيق له- إلى قطف ثمار التين الشهية من اطراف تلك الاشجار اثناء الذهاب أو العودة من المدرسة.


ومرت الأيام وأصبح هذا الطالب من الذين تبوأوا مناصب عليا, وبالمصادفة التقى بأحد أهالي السلط وبعد التعارف علم أنه من أقرباء ضامن البستان عبد الرحيم أبو رصّاع, فقد قدم له هدية ثمينة لقاء ثمار التين التي قطفها ورفيقه من البستان أيضاً دون مقابل وبعد أن سرد له الحكاية!! ومن الطرائف والحكايات الأخرى التي تروى عن البستان أن أحد الشعراء كان يهوى الجلوس في البستان الذي شهد الكثير من نظم قصائده الرائعة , ومنها القصيدة التي يصف فيها البستان ويعتبره بيته. وكان هذا الشاعر يأوي إلى البستان في كثير من الأحيان رغم معاناته من برد الشتاء وحر الصيف.


كما أشار في تلك القصيدة إلى مفرشه في الكوخ الخشبي – الذي يقع في وسط البستان- وإلى طعامه من الفلافل والماء.


تراجع العمل في البستان


بعد وفاة ضامن البستان أبو رصاع في العام 1974م تراجع العمل في البستان وشحت مياه الري, واستملكت الأرض وآلت ملكيتها إلى بلدية السلط وأستغلت لإقامة المباني عليها.


المباني المقامة على أرض البستان


قامت مؤسسة إعمار السلط ببناء وتشييد مركز السلط الثقافي ومسجد بلال بن رباح ومبنى البنك الاسلامي الاردني ومقهى المغربي ومحال تجارية, وذلك على الواجهة الشمالية من الأرض بتبرع من جمعية أصدقاء السلط في دولة الكويت برئاسة معالي الشيخ عبد الرحمن العتيقي, وكان ذلك في عهد جلالة الملك الحسين بن طلال – رحمه الله- حيث قام جلالته بأفتتاح المركز الثقافي بيده الكريمة بتاريخ 6/6/1989 باحتفال كبير.


(مؤسسة إعمار السلط إحدى الجهات الراعية للحفاظ على إرث مدينة السلط العمراني والثقافي).


أما الواجهات الأخرى لأرض البستان , فقد أقامت عليها البلدية العديد من المباني, حيث أقامت على الواجهة المحاذية لشارع البيّاضة قاعة كبيرة للاجتماعات يعلوها المبنى الجديد لبلدية السلط الكبرى , إضافة إلى محال تجارية ومبنى للمؤسسة العسكرية ويعلوها مبنى لبنك تنمية المدن والقرى والمركز الصحي. وعلى الواجهة المقابلة المحاذية لشارع اليرموك مبنى لشركة الاتصالات الاردنية ومحال تجارية تعلوها مكاتب وعيادات طبية وعلى الواجهة الجنوبية مبنى للمؤسسة المدنية. تعود ملكية هذه المباني إلى جهات أخرى غير البلدية.


أما المنطقة الوسطى للارض, فقد أستغلت كموقف ومجمع لحافلات السفريات الداخلية في المدينة.



تعليقات القراء
1 - الدكتور عماد محمود الجدوع الجمعة , 12 أيار , 2017 :: 8:31 ص
الى المؤرخ الكاتب اﻷستاذ درويش الكاشف كل الحب والتقدير على التوثيق والتأريخ الماضي العريق للسلط وهذا ان دل على شيء فانما يدل على الحب للسلط واهلها والماضي المزدهر بانجازات قدمها ابناء السلط في بدايات القرن الماضي وهذا السرد والتوثيق للاحداث والمواقع الدينيه والاثريه والاجتماعيه والزراعيه والعمرانيه وما كتب عن التعليم من ام المدارس مدرسة السلط الثانويه ومتاجر وتجار شوارع وحارات السلط الحاضره في القلوب الدافئه الوافره بالعطاء ويستحق الاشاده بما بحث وكتب الاستاذ درويش ابواسامه صاحب الذوق الرفيع اطال الله بعمره وجزاه الله خيرا والشكر موصول بالعرفان للاستاذ غفار ابوالسمن
2 - منور أحمد الدباس الجمعة , 12 أيار , 2017 :: 11:18 ص
اولا اشكر كاتب هذا التقرير على جهوده في تقديم الماضي لبستان الداهودي المضمن لابورصاع عليه رحمة الله تعالى وتحيتي لأنجاله الكرماء لكن اود ان اذكر كاتب التقرير بأن اخي عبد الحميد احمد ابو عزام الدباس" ابو عزام "عليه رحمة الله كان يضمن نصف البستان وكان يسكن وعائلته في الصيف في تسوية تحت قهوة المغربي وكان فعلا هذا البستان سلة خضار لمدينة السلط واكثر ما كان يعجبني في بستان اخي الخس والتين والورود باصنافها الجميله اعود واشكر الكاتب على حسن صنيعه والبلقاء نت التي تهتم كثيرا بشؤون السلط خاصه والبلقاء عامه وعودتنا على سبق نقل الأخبار والأحداث وتحيه للمحرر المحبوب الأستاذ الإعلامي غفار ابو السمن .
3 - الأستاذ عمر العمايره الجمعة , 12 أيار , 2017 :: 4:38 م
زمان عن كتاباتك الرائعة عن تاريخ السلط ابو اسامة فهذا المقال الرائع يذكرنا بذلك البستان الجميل الوارف الظلال المليء بالخضرورات البلدية وكان شبه حديقة لا هالي السلط فاهل الجدعة والسلالم والخندق والجادور تطل عليه بيوتهم في الصباح والمساء وياليت بلدية السلط ماامتلكته وحولته إلى مباني كما ذكرت وكان بإمكانها أن تبني مقر البلدية الحالي وجميع المباني الأخرى جارج وسط المدينة ليبقى هذا البستان حديقة غناء في وسط المدينة وللأسف بلدية السلط منذ القدم وهي تعمل على تدمير تراث المدينة مثل السرايا والجامع الكبير وهذا البستان قلب المدينة
4 - الدباس السبت , 13 أيار , 2017 :: 7:53 ص
جزاك اللة خيرا ...مقال جميل جدا
5 - الدكتور :احمد العبابنه الثلاثاء , 16 أيار , 2017 :: 11:26 م
تحية حب ووفاء للاخ والزميل الاستاذ درويش الكاشف. شكرا لك على هذا المقال الجميل..وحيث انني تشرفت في ان اقضي جميع سني خدمتي بالقطاع الصحي...بمدينة السلط الشماء..والتي تمثل بأهلها وتاريخها وأثارها ...عبق التاريخ والتراث الاردني الاصيل. أن هذا الوصف لبستان ابو رصاع ..الذي سمعت عنه الكثير اثناء اقامتي بالسلط..ولم يحالفني الحظ مشاهدته على ارض الواقع...حيث كانت معاول البلديه وغيرها قد امعنت به تدميرا وتخريبا...لاقامة الهياكل الاسمنتية بدلا منه...مستئصلة بذلك رئة رئيسية كانت تزود المدينة بالاوكسجين النقي ...ناهيك عن المناظر الخلابة التي تسر الناظرين. لقد جئت بوصفك الحي هذا استاذنا ابو اسامه..كالبانوراما الحية لهذا البستان الذي طالما سمعت عنه ليجسد لي صورة حية حقيقة كأنها لوحة متحركة تنبض بالحياة وتعوض اشتياق طويل ماضي لضياع فرصة مشاهدته قبل خرابه؟؟ ادامك الله وبارك لك بعمرك ومتعك بالصحة والعافية..وجزاك الله خيرا
 
أضف تعليقا
 
إسم المرسل  
البريد الإلكتروني  
 
النص    
 
     
إرسال